السيد محمد تقي المدرسي
100
من هدى القرآن
البشر البدائي ؛ الإنسان ذي الذهنية الساذجة والمحدودة . إن تخلف الإنسان هو المسؤول الأول والأخير عن ضلالاته وفساده سواء على صعيد الأفراد والمجتمعات والأمم ، إذ لا وجود لهذه الآلهة المزيفة لولا جهله وضيق أفقه ، وتوجهاته المنحرفة المستنبتة في بيئة الشهوة والمصلحة . وإلا فما تفسير ظاهرة الطغيان . إذ يعتلي فرد أو تتكبر جماعة لتتحكم بمصير مجاميع بشرية هائلة وكأنها آلهة ، فيتزلف له أو لهم الناس ، متناسين الحقيقة العظمى في هذا الكون ، ومتغافلين عن واقع الذين يعبدونهم بأنهم أناس مثلهم ، خلقوا من طين لازب ، تحكمهم ذات القوانين والأنظمة الجسدية والنفسية التي تحكم سائر الناس ، وإنما أصبحوا بهذه الهالة من التقديس الأجوف بخوف الناس منهم ، ورغبتهم في خيرهم . وإذا أراد مجتمع ما أن يكتشف هذه الحقيقة ، فما عليه إلا أن ينفض غبار التخلف عن نفسه ، وينتفض لله متخلياً عن الخوف ، متنازلا عن المصلحة والشهوة العاجلة في سبيل هدف مقدس هو رضوان الله ، فإن الطاغوت آنئذ لا يتهاوى ، لأن عوامل انهياره موجودة - إذا - في ضمير الإنسان والمجتمع وفي سنن الحياة . ولا يقصد بالآلهة المزيفة الحاكمين فقط بقدر ما يعنى بهذه الكلمة كل شيء يقدسه الإنسان إلى حد العبودية له ، سواء تجسد ذلك في الحاكم كفرعون ، أو القبيلة كقريش ، أو العنصر كاليهود ، أو الإقليم أو الحزب أو ما أشبه . فلربما يشرد بالإنسان خياله في مغبات الانحراف ليصور له الوطن شيئا قائما بذاته . فإذا أصبح حب الوطن بغضا للأوطان الأخرى ، أو التضحية من أجله بطشا وعدوانا على الآخرين بغير الحق ، فإنه بذلك يصبح إلها يعبد من دون الله . ويدرك البشر بفطرته أن لا إله في الكون إلا الله ، فهو خالقه ، ومقدر سننه ، والمهيمن عليه ، وأنه قد بعث نبيه برسالة تبين تلك السنن ، إلا إن الإنسان قد يستجيب لدعوات الشيطان والنفس التي تتحول إلى آلهة مقدسة بعد تبلورها في الواقع الخارجي . ولو وقف الإنسان ساعة تفكر لنفسه ، وعرض دعوات الشيطان ، وضغوط النفس على ضوء الفطرة والعقل لتبدد ظلام الانحراف عن قلبه ، ولوجد الآلهة التي تعبد من دون الله لا تملك شيئا ، بل الله يملكها ومن يعبدها من دونه . وينثني السياق ليهتف بالإنسان قائلًا : ما دمت أنت الذي تعطي لهذه الآلهة الشرعية ،